355
مقالات و أبحاث

«قلة الانتباه».. مرض المبدعين

0

الخليج

ملحق صحة وطب

26 -03 -2017 م

تلاحظ بعض الأمهات على الأطفال زيادة كبيرة في الحركة والنشاط على الحدود المقبولة والطبيعية، ويصاحب ذلك نقص في عملية الانتباه، ومن الممكن أن يؤدي هذا الاضطراب إلى تأثيرات عكسية في نواحٍ عديدة على حياة الشخص المصاب بهذه الحالة، فغالباً ما يعاني انعدام العلاقات الاجتماعية القوية، وكذلك صعوبات في التعلم أو ممارسة عمله، نتيجة عدم ارتياح الآخرين في التعامل مع أعراض هذا الخلل، وهذا الاضطراب يطلق عليه اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه، وسوف نتناول هذه الحالة المرضية بالتفاصيل وأنواعها، والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذا المرض، والأعراض التي تظهر، وأساليب وطرق العلاج الحديثة.
يبدأ بالطفولة اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه لخلل كيميائي عصبي، يؤثر في سلوك الطفل المصاب، ويسبب له صعوبة في المدرسة، ناتجة عن مشاكل سلوكية، أو عن ضعف قدرته على الانتباه والتركيز، ويبدأ هذا الاضطراب في الطفولة، وليس من الضروري أن يتلاشى مع مرور الوقت، بل من الممكن أن يؤثر في البالغين، وإذا استمر فإنه يؤثر في حياة الفرد في مختلف المراحل، ويعد اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه من أحد أكثر الاضطرابات شيوعاً لدى الأطفال، وعادة ما يتم تشخيص الأطفال الذين يعانون هذه الحالة بأنهم عاجزون عن التعلم، حتى وإن لم يعانوا فرط الحركة، كما يؤدي هذا الاضطراب إلى تأثيرات عكسية في نواحٍ عديدة من حياة المصاب، فغالباً ما يعاني انعدام العلاقات الاجتماعية القوية، فلا يستطيعون اكتساب الأصدقاء الجدد أو المحافظة على الصداقات السابقة، ويظهر عليهم درجة عالية من عدم الانتظام، فضلاً عن انعدام التركيز الذهني في حياتهم اليومية، وإذا لم تتم مواجهة تلك المشكلات فمن الممكن أن يواجه المريض عواقب اجتماعية وأكاديمية وسلوكية مستقبلاً.
3 أنواع

هناك 3 أنواع لهذا الاضطراب، الأول المركب أو المشترك، وتظهر فيه أعراض فرط الحركة ونقص الانتباه والاندفاعية بنفس الدرجة، أما النوع الثاني فيغلب عليه فرط الحركة والاندفاعية، ويتسم بالقلق والتململ في المقاعد، والتحدث بصورة مستمرة، وملامسة أي شيء أو اللعب بكل شيء تقع عليه أيدي المريض، وصعوبة الجلوس في سكون أثناء تناول الطعام وفي المدرسة ووقت الاستعداد للنوم، وصعوبة أداء المهام أو الأنشطة بهدوء، والنوع الثالث ويغلب عليه نقص أو تشتت الانتباه، ولا يعاني المصابون بهذا النوع من الاضطراب عدم القدرة على أداء الأعمال الموكلة إليهم، أو وجود صعوبة في مجاراة أقرانهم، فربما يجلسون في هدوء، لكن من دون أن يكونوا منتبهين لما يفعلون؛ لذلك يُهمَل هذا الطفل، ومن الممكن ألاّ يلاحظ أولياء الأمور والمدرسون أعراض الاضطراب عليه، كما تظهر عليهم أعراض تشتت الذهن بسهولة، وعدم الانتباه للتفاصيل والنسيان، والانتقال الدائم من نشاط إلى آخر، وصعوبة التركيز في أمر واحد، والشعور بالملل من أداء نشاط محدد بعد بضع دقائق فقط، ما لم يكن هذا النشاط ممتعاً، وضعف تركيز الانتباه على تنظيم واستكمال عمل ما أو تعلم شيء جديد، وظهور المريض كأنه لا يصغي عند التحدث إليه، والاستغراق في أحلام اليقظة، والارتباك بسهولة والتحرك ببطء، وصعوبة معالجة المعلومات بسرعة وبدقة كالآخرين، وصعوبة اتباع التعليمات.

موجات بيتا

لا يوجد سبب واحد لاضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه، وإنما مجموعة من العوامل، يمكن تقسيمها إلى مجموعتين رئيسيتين، الأولى عوامل بيولوجية؛ حيث يعتقد العلماء أن الاضطراب ينتج عن نقص في بعض الموصلات الكيميائية العصبية، ومن خلال ملاحظة الأطفال المصابين تبين أنهم عندما يركزون بدقة في عمل شيء ما، تصل موجاتهم الكهربائية الدماغية إلى أدنى مستوى لها، وفي الوقت الذي ترتفع فيه الموجات الكهربائية الدماغية «بيتا»، والتي تعتبر أعلى نمط من الموجات الدماغية، لمن لا يعانون هذا الاضطراب أثناء عملية مماثلة، وهذا التردد يخلق الفرق في السلوك والتركيز؛ حيث إن أطفال اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه لا يمكنهم الوصول إلى مستوى موجات «بيتا»، إلا أن نظرية أخرى تقول إن الدماغ يجد صعوبة في موازنة السيالات العصبية، وأشارت دراسات أخرى إلى أن اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه مرض وراثي؛ حيث بينت الملاحظة ارتفاع نسبة الإصابة بهذا الاضطراب في نفس الأسرة، نتيجة لعوامل وراثية في الجينات، وأظهرت نتائج الدراسات وجود علاقة متبادلة تجاوزت نسبة 60% لدى الأسر التي تظهر لهم أعراض هذا الاضطراب، كما أن نسبة الإصابة باضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه مماثل لنسبة النمط الجيني الخاص بالطول أو لون الشعر.
الحمل والمواد الحافظة

المجموعة الثانية لأسباب الإصابة بهذا المرض هي مجموعة بيئية؛ حيث تؤثر هذه العوامل في فترات حرجة من تطور الطفل، مثل التسمم بالرصاص، كما أن فترة الحمل وما يتعرض له الطفل فيها من أخطار مثل الأم الحامل المدخنة، أو تناول بعض الأدوية من الممكن أن تساهم في ظهور هذه الحالة، ويلاحظ أيضاً أن الأطفال المولودين بشكل مبكر أكثر عرضة للإصابة، ويعزى سبب الإصابة بهذا الاضطراب إلى تأثير نوع الغذاء، فإعطاء الطفل غذاء خالياً من المنبهات والألوان والمواد الحافظة، من الممكن أن يساعد على التقليل من النشاط الزائد، ووفقاً لدراسة حديثة فإن الأطفال غير المصابين بهذا الاضطراب، ممن تناولوا مشروبات تحتوي على مواد حافظة وملونات، ظهرت عليهم زيادة في أعراض فرط الحركة بنسبة 10%، وهذه المكونات نجدها في الكثير من الأطعمة التي يقبل الأطفال على تناولها؛ ولذا فمن العوامل المساعدة التي يمكن للوالدين تنفيذها للتخفيف من الحركة المفرطة لدى الأطفال إزالة مثل هذه الأطعمة من نظام الأطفال الغذائي.
معايير التشخيص

أي شخص من الجائز أن يتعرض للكثير من أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من وقت لآخر، إلا أن المصابين بالاضطراب فعلياً، يزيد معدل تكرار هذه الأعراض لديهم كثيراً، وبدرجة تؤثر بالسلب في حياتهم بصورة هائلة، وتبدأ ملاحظة الأعراض بين الثانية والثالثة من العمر، وهناك معايير يجب الالتزام بها عند تشخيص حالة الطفل على أنها اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فيجب أن تظهر السلوكيات الدالة على هذا الاضطراب قبل سن السابعة، ويجب أن تستمر لمدة ستة أشهر على الأقل، كما يجب أن تعوق الأعراض الطفل إعاقة حقيقية عن مواصلة حياته بصورة طبيعية، وذلك في مجالين على الأقل من مجالات حياته وهي الفصل وفناء اللعب والمنزل والمجتمع بشكل عام، وإذا بدت على الطفل سمات نشاط زائد في مكان واحد دون أي أماكن أخرى، فمن الممكن ألاّ يكون مصاباً باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، فعلى سبيل المثال الطفل الذي تظهر عليه بعض الأعراض لا تشخص حالته على أنه مصاب بالمرض، إذا لم يتأثر أداؤه الدراسي أو صداقاته بهذه السلوكيات، كذلك يبدو الكثير من الأطفال وكأنهم يعانون نشاطاً زائداً، وهذا طبيعي جداً عند الصغار، خاصة من هم دون سن المدرسة، لذلك فإنه عند تحري الأعراض يجب مقارنة الطفل بمن هم في نفس سنه؛ إذ إن وجود الاضطراب يؤدي إلى تأخر النمو العقلي، فإذا راقبنا على سبيل المثال طفلاً في الصف الرابع نجد أن تصرفاته تشبه أطفال الصف الأول، وليس تصرفات زملائه في الصف الرابع.
الأعراض

يصاحب اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة بعض الأعراض، الأول نقص الانتباه، ففي كثير من الأحيان لا ينتبه المريض تماماً للتفاصيل، أو يرتكب أخطاءً تبدو ناجمة عن عدم الانتباه واليقظة، عند أدائه الواجبات المدرسية أو في العمل أو غير ذلك من أنشطة، وغالباً لا يتمكن من التركيز باستمرار في المهام الموكلة إليه أو في أنشطة اللعب، ولا يبدو منصتاً عند التحدث إليه مباشرة، ولا يتبع التعليمات ويتعذر عليه إنهاء الواجبات المدرسية أو الأعمال المنزلية الروتينية، أو المهام في محيط العمل، وهو كثير النسيان أثناء ممارسة الأنشطة اليومية، والعرض الثاني فرط الحركة، ويكون المريض كثير التململ، فإما أن يقوم بتحريك يديه أو قدميه أو يتحرك في مقعده، وغالباً ما ينهض من مكانه رغم عدم الحاجة لذلك، وكثيراً ما يقوم بالركض أو التسلق في المكان والزمان غير المناسبين، وغالباً ما يصعب عليه اللعب أو الاستمتاع بالأنشطة الترفيهية في هدوء، ويتميز بالحركة الدائبة والنشاط في كثير من الأحيان وكثرة الكلام، والعرض الثالث هو الاندفاع، وغالباً ما يسارع بالإجابات قبل الانتهاء من طرح الأسئلة، ولديه صعوبة في الانتظار حتى يأتي دوره في كثير من الأحيان، وكثيراً ما يقاطع الآخرين أو يتطفل عليهم، وتستمر التأثيرات السلبية لاضطرابات فرط الحركة ونقص الانتباه حتى وصول المصاب مرحلة البلوغ، ويتم تشخيص المصابين بهذا الاضطراب بناء على المعايير نفسها، بما في ذلك الشرط الذي ينص على ضرورة ظهور الأعراض قبل سن السابعة، وعادة ما تكون أعراض عدم الانتباه لدى البالغين أعلى من مثيلتها لدى الأطفال، ويقل مستوى فرط الحركة والاندفاع عن مستواهما لدى الأطفال.
سلوكي ودوائي

ينقسم علاج اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه إلى شقين سلوكي ودوائي، والواقع أنه بعد التشخيص الدقيق لابد من وضع خطة، أهم بنودها أن يكون التعامل مع الطفل في البيت والمدرسة صحيحاً، وأن يتمكن الطفل من الحصول على أساليب تعديل السلوك عبر الثواب والعقاب، والعقاب يكون بأسلوب الحجز والحرمان والثواب عكس ذلك، ومن الممكن أن يفيد استعمال لوحة يحصل فيها الطفل على نجمة عندما يكون سلوكه مقبولاً، ولا يحصل عليها إذا كان سلوكه غير مقبول، ويمكن أن يستعمل هذا الأسلوب لأكثر من طفل في الأسرة، ويجب الحذر من الضرب والإيذاء والتوبيخ المتواصل الذي من الجائز أن يعلم الطفل العنف، ويحتاج بعض الأطفال لعلاجات دوائية يقررها الطبيب ويتابعها، ولا يجوز استعمالها دون الرجوع للاستشاري المتخصص، ويختار في العادة ما بين الأدوية المنبهة أو غير المنبهة حسب الحاجة، والأطفال الذين يتناولون مكملات الزنك مع أدوية معالجة الاضطراب بدا عليهم التحسن بشكل أكبر وبمعدل أسرع ممن لم يتناولوه، ولا يعني اللجوء للدواء عدم الاستمرار في الأساليب السلوكية والتربوية وتعديل البرنامج اليومي للطفل، وبالمتابعة والمعالجة السلوكية والدوائية يتخطى الأطفال هذه المشكلة.

60 % من المصابين شباب

تشير الدراسات إلى أن اضطراب فرط الحركة وقلة الانتباه مشكلة عالمية، تؤثر في أكثر من 5% من أطفال العالم، ويستمر هذا الاضطراب في أكثر من 60% من المصابين إلى مرحلة الشباب، ومن المعتقد أن ما بين 3 إلى 7% من الأطفال يعانون مستوى ما من هذا الاضطراب، وغالباً ما يتم تشخيص أعراضهم بشكل خاطئ أو يتم تجاهلها بوصف شخصية الطفل بأنه غير مهذب أو متمرد، والذكور أكثر إصابة بهذا الاضطراب من البنات، كما يؤدي الاضطراب إلى تأخر النمو العقلي عند الطفل بنسبة ٣٠٪، والوعي المجتمعي والإيجابية هما أمل الأطفال المصابين في حياة كريمة بعيدة عن الضياع في دوامة الفشل، بل يمكن للأهل والمجتمع مساعدة هؤلاء الأطفال على الإبداع، إذ إن هناك رابطاً كبيراً بين اضطراب نقص الانتباه والإبداع، تؤكد هذه النظرية اللائحة الطويلة لمشاهير مبدعين عبر التاريخ واجهوا مشاكل في المدرسة ويعتقد أنهم عانوا هذا الاضطراب، منهم: ألبرت أينشتاين، إسحاق نيوتن، والت ديزني، مايكل جوردن، توماس أديسون وآخرون.

رابط الموضوع:

http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/b0fa3d93-404b-40f9-8097-c026c5454add

About the author / 

مدير الموقع
Profile photo of مدير الموقع

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

مقالات و ابحاث